ابن قيم الجوزية

333

الروح

ونكتة المسألة أن الانتقام شيء والانتصار شيء ، فالانتصار أن ينتصر لحق اللّه ومن أجله ولا يقوى على ذلك إلا من تخلص من ذل حظه ورق هواها فإنه حينئذ ينال خطأ من العز الذي قسم اللّه المؤمنين فإذا بغى عليه انتصر من الباغي من أجل عز اللّه الذي أعزه به غيره على ذلك العز أن يستضام ويقهر وحمية للعبد المنسوب إلى العزيز الحميد أن يستذل ، فهو يقول للباغي عليه أنا مملوك من لا يذل مملوكه ولا يجب أن يذله أحد ، وإذا كانت نفسه الأمّارة قائمة على أصولها لم تحب بعد طلبه إلا الانتقام والانتصار لحظها وظفرها بالباغي تشفيا فيه وإذلالا له . وأما النفس التي خرجت من ذل حظها ورق هواها إلى عز توحيدها وإنابتها إلى ربها فإذا نالها البغي قامت بالانتصار حمية ونصرة للعز الذي أعزها اللّه به ونالته منه وهو في الحقيقة حمية لربها ومولاها . وقد ضرب لذلك مثلا بعبدين من عبيد الغلة حراثين ضرب . أحدهما : صاحبه فعفا المضروب عن الضارب نصحا منه لسيده وشفقة على الضارب أن يعاقبه السيد فلم يجشم سيده خلعه عقوبته وإفساده بالضرب فشكر العافي على عفوه ووقع منه بموقع ، وعبد آخر قد أقامه بين يديه وجمله وألبسه ثيابا يقف بها بين يديه فعمد بعض سواس الدواب وأضرابهم ولطخ تلك الثياب بالعذرة أو مزقها فلو عفا عمن فعل به ذلك لم يوافق عفوه رأي سيد ولا محبته وكان الانتصار أحب إليه وأوفق كأنه يقول : إنما فعل هذا بك جرأة علي واستخفافا بسلطاني فإذا مكنه من عقوبته فأذله وقهره ولم يبق إلى أن يبطش به فذل وانكسر قلبه فإن سيده يحب منه أن لا يعاقبه لحظة وأن يأخذ منه حق السيد فيكون انتصاره حينئذ لمحض حق سيده لا لنفسه . كما روي عن علي رضي اللّه عنه أنه مر برجل فاستغاث به وقال : هذا منعني حقي ولم يعطني إياه ، فقال : أعطه حقه ، فلما جاوزهما لج الظالم ولطم صاحب الحق فاستغاث بعلي فرجع وقال : أتلك الغوث ، فقال له استقدمه فقال : قد عفوت يا أمير المؤمنين فضربه على تسع درر وقال قد عفا عنك من لطمته . وهذا حق السلطان فعاقبة علي لما اجترأ على سلطان اللّه ولم يدعه ويشبه هذا قصة الرجل الذي جاء إلى أبي بكر رضي اللّه عنه فقال احملني فو اللّه لأنا